أحمد بن محمد بن عجيبة الحسنى
458
إيقاظ الهمم في شرح حكم سيدي أحمد بن عطاء الله السكندري
فمن حكمة اللّه تعالى ولطفه وإبراره بوليه أن يحرك عليه ما ركنت إليه نفسه وألفته روحه الأحب فالأحب ، فأول من ينكره أهله وأولاده ، ثم جيرانه وأحبابه ، ثم ينكره العالم بأسره ، فإذا رأت الروح أن هذا العالم أنكرها وضاق عليها رحلت إلى مولاها ، ولم يبق لها تشوف إلى هذا العالم أصلا ، فحينئذ يكمل وصلها ويتحقق فناؤها وبقاؤها ، فلو بقيت النفس على ما هي عليه من السكون تحت ظل الجاه والعز ما رحلت من هذا العالم أصلا ، وكلما قوي على الأولياء الأذى دل على علو مقامهم عند المولى ، فإنما أجرى الحق سبحانه الأذى على أيدي الخلق إليك ، إذ هو المجري والمنشئ ، فلا فاعل غيره كي لا تكون ساكنا بقلبك وروحك إليهم ، فيعوقك ذلك عن العروج إلى الملكوت . أراد الحق تعالى أن يزعجك عن كل شيء من هذا العالم حتى لا تركن إلى شيء ولا يشغلك عن شهوده شيء ، إذ محال أن تشهده وتشهد معه سواه ، أو تحبه وتحب معه سواه ، أبت المحبة أن تشهد غير محبوبها ، فإذا تمكنت المحبة وكمل الشهود ردهم إن شاء إلى عباده مرشدين إليهم باللّه . قال في لطائف المنن : اعلم أن أولياء اللّه تعالى حكمهم في بدايتهم أن يسلط الخلق عليهم ، ليتطهروا من البقايا وتكمل فيهم المزايا ، وكي لا يساكنوا هذا الخلق باعتماد ، أو يميلوا إليهم باستناد ، ومن آذاك فقد أعتقك من رق إحسانه ، ومن أحسن إليك فقد استرقك وجود امتنانه ، ولذلك قال صلى اللّه عليه وآله وسلم : « من أسدى إليكم معروفا فكافئوه ، فإن لم تقدروا فادعوا له « 1 » » ، كل ذلك ليتخلص القلب من رق إحسان الخلق ، ويتعلق بالملك الحق ، ثم قال : وقال الشيخ أبو الحسن : اهرب من خير الناس أكثر من أن تهرب من شرهم ، فإن خيرهم يصيبك في قلبك وشرهم يصيبك في بدنك ، ولأن تصاب في بدنك خير من أن تصاب في قلبك ، ولعدو تصل به إلى اللّه خير من حبيب يقطعك عن اللّه ، وعدّ إقبالهم عليك ليلا وإدبارهم عنك نهارا ، ألا تراهم إذا أقبلوا فتنوا . قال : وتسليط الخلق على أولياء اللّه في مبدأ طريقهم سنة اللّه في أحبائه وأصفيائه . قال الشيخ أبو الحسن في حزبه : ( اللهم إن القوم قد حكمت عليهم بالذل حتى عزوا ، وحكمت عليهم بالفقد حتى
--> ( 1 ) رواه أبو داود ( 2 / 128 ) ، والنسائي ( 5 / 82 ) ، وأحمد في المسند ( 2 / 68 ) ، بلفظ : من صنع .